العلامة المجلسي
258
بحار الأنوار
الايمان فيما هو سبب للخروج من دار الكفر ، لا فيما هو سبب للدخول في دار الايمان وبهذا التقرير تندفع المنافاة بين القولين قوله عليه السلام : " أو صغيرة " يدل على أن الصغيرة أيضا مخرجة من الايمان مع أنها مكفرة مع اجتناب الكبائر ، ويمكن حمله على الاصرار كما يومئ إليه ما بعده ، أو على أن المراد بها الكبيرة أيضا لكن بعضها صغيرة بالإضافة إلى بعضها التي هي أكبر الكبائر فالمراد بقوله " نهى الله عنها " نهيه عنها في القرآن ، وإيعاده عليها النار فيه ، والخبر يدل على أن جحود المعاصي واستحلالها موجبان للارتداد ، وكأنه محمول على ما إذا كان من ضروريات الدين فيؤيد التأويل الثاني ، فان أكثر ما نهي عنه في القرآن كذلك أو على ما إذا جحد واستحل بعد العلم بالتحريم ، ويدل على أن المرتد مستحق للقتل ، وإن كان يفعل ما يؤذن بالاستخفاف في الدين ، ويومئ إليه عدم قبول توبته للمقابلة ، فيحمل على الفطري وعلى أنه مستحق للنار وإن تاب . وجملة القول فيه أن المرتد على ما ذكره الشهيد رفع الله درجته في الدروس وغيره : هو من قطع الاسلام بالاقرار على نفسه بالخروج منه ، أو ببعض أنواع الكفر ، سواء كان مما يقر أهله عليه أولا ، أو بانكار ما علم ثبوته من الدين ضرورة أو باثبات ما علم نفيه كذلك ، أو بفعل دال عليه صريحا كالسجود للصنم والشمس وإلقاء المصحف في القذر قصدا ، أو إلقاء النجاسة على الكعبة ، أو هدمها أو إظهار الاستخفاف بها . وأما حكمه فالمشهور بين الأصحاب أن الارتداد على قسمين : فطرى وملي فالأول ارتداد من ولد على الاسلام بأن انعقد [ نطفته ] حال إسلام أحد أبويه ، وهذا لا يقبل إسلامه لو رجع عليه ، ويتحتم قتله ، وتبين منه امرأته وتعتد منه عدة الوفاة وتقسم أمواله بين ورثته ، وهذا الحكم بحسب الظاهر لا إشكال فيه بمعنى تعين قتله وأما فيما بينه وبين الله ، فاختلفوا في قبول توبته فأكثر المحققين ذهبوا إلى القبول حذرا من تكليف ما لا يطاق ، لو كان مكلفا بالاسلام ، أو خروجه عن التكليف ما دام حيا كامل العقل وهو باطل بالاجماع ، فلو لم يطلع عليه أحد أو لم يقدر على قتله